عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
626
معارج التفكر ودقائق التدبر
يعفو : أي : يمحو ويزيل الأثر ، يقال لغة : « عفت الريح الأثر » أي : محته ودرسته ، فلم تبق في مكانه شيئا يدلّ عليه . فاللّه عزّ وجلّ يتفضّل على عباده فيمحو سيّئاتهم محوا كاملا ، فلا يبقي لها أثرا . وضمّن فعل : « يعفو » معنى فعل : « يتجاوز » فعدّي تعديته بحرف « عن » أي : فاللّه يمحو أثر سيّئات عباده المؤمنين التائبين متجاوزا عنها . والعفو : درجة أعلى من درجة المغفرة ؛ لأنّ العفو محو ، أمّا المغفرة فستر . والسّيّئات : تشمل صغرى المعاصي وكبراها ، ويراد بها في كثير من النصوص صغراها . والتفت البيان من الغيبة إلى الخطاب ، فقال اللّه تعالى لعباده : . . وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ( 25 ) : أي : وهو جلّ جلاله وأحاط علمه بكلّ شيء ، يعلم كلّ ما تفعلون ، من أعمال ظاهرة وأعمال باطنة ، جسديّة ونفسيّة ، لا تخفى عليه منكم خافية . وفي القراءة الأخرى دون التفات : . . ويعلم ما يفعلون ، فتكاملت القراءتان في الأداء البياني خطابا وغيبة . قول اللّه تعالى متابعا بيانه بشأن فريقي المؤمنين والكافرين : * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ( 26 ) : أي : فالّذين تابوا فآمنوا وعملوا الصالحات المعبّرات عن صحّة إيمانهم وصدقهم فيه ، يستجيبون لما يتلقّون تباعا من أوامر اللّه ونواهيه ، آنا فآنا ، وكان هذا البيان بمثابة إعداد نفوسهم وقلوبهم ، لاستقبال ما سينزل من أحكام وأوامر ونواهي بعد سورة ( الشّورى ) من سور .